الرئيسية / منوعات / أبرز التوقعات.. هاجس “ما بعد كورونا” يغزو العالم

أبرز التوقعات.. هاجس “ما بعد كورونا” يغزو العالم

رحمة حجة

أصبح فيروس كورونا المستجد ومنذ بداية الإجراءات المشددة في مختلف دول العالم، حديث الناس اليومي، أما زبدة الأمل في الحوارات “بعد كورونا”.

يرسم الناس على المستوى الشخصي، أحلامهم وخططهم في محاولة للتغلّب على الظروف النفسية الحالية التي تعزلهم عن بعضهم البعض وعن قائمة الأمنيات لعام 2020.

والتفكير في المستقبل، غالباً مؤشّر على الأمل.

أما التوقعّات خارج حدود الفرد، يمكنها الإفصاح عن مدى المتابعة لأزمة الجائحة، وفارق التجربة الشخصية والتاريخ المُعاش من جهة، ومستوى التأثير على مختلف المستويات (اقتصادية وعلمية وسياسية) من جهة أخرى، بين شخص وآخر.

“ارفع صوتك” سأل متابعيه “كيف ترى العالم بعد كورونا؟ المتبقّي والمتغيّر؟”.

تقول مرح من العراق “أنا متفائلة عادة” مضيفة ً “سنشهد زيادة الأعمال التطوعيّة للحد من تلوّث البيئة، والسعي لعدم ارتكاب جرائم بحق الطبيعة والكرة الأرضية، ها”.

وفي المجالين الاقتصادي والسياسي، تتوقّع حدوث تغيير تصعد فيه أنظمة مقابل خسارة الأخرى.

محمد علي من العراق، يتوقع أيضاً “أن يقل حجم التلوّث البيئي ودرجة الاحتباس الحراري” مضيفاً أن الأزمة الاقتصادية الناجمة عن الجائحة، سيكون تأثيرها متفاوتاً.

“مثلاً لا أعلم كيف يمكن لليونان أن تتجاوز أزمة اليوم وهي لم تتعاف بعد من الانهيار الاقتصادي عام 2008” يقول محمد.

ويتوقع مصطفى العامري من العراق، أن “دولاً وشركات عظمى ستتلاشى بينما تنبثق أخرى من الحُطام” مضيفاً “ستُهجر مدن كبرى، وتعود الحياة الريفية للازدهار، والتنقّل بين الدول نفسها لن يعود سهلاً كالسّابق، ما سيعزل بعضها”.

ويقول العامري “الدول المنهارة صحياً واقتصادياً ستكون أكثر عُزلة” وإذا تكررت ظروف مشابهة لأزمة الطوارئ “ستكون الشعوب الخاضعة للأنظمة الديكتاتورية أكثر فاعلية”.

في السياق الدولي نفسه، يقول العراقي علي القاضي “أتوقع خروج إيطاليا وإسبانيا من الاتحاد الأوروبي وربما تفكّكه، أو عودة بريطانيا إليه”.

وعلى الصعيد النفسي، تقول العراقية بلسم مصطفى “ثقافة الخوف ستبقى بعض الوقت. خوفنا من بعضنا الآخر”.

وتستشهد بحادثة حصلت معها، قائلة “ذهبت قبل أيام للصيدلية، وكانت الأولى منذ أسبوعين، فشعرت بخوف كبير وكأنما خارجة لجبهة قتال، وشعرت الآخرين مثلي. وهذا لن يختفي بسهولة”.

“العالم سيتجه نحو الاهتمام بالنظافة أكثر، خصوصاً الأماكن العامة، كما ستزداد الخدمات المتوفرة عبر الإنترنت الخدمات كالأعمال الاستشارية والدراسة، بالإضافة لتوسيع الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على الاستيراد”، تقول مروى الصايغ من العراق.

ومن فلسطين، تقول مها شهوان “ربما سيعيد الجميع حساباته في أمور حياتية عديدة، والأغلبية يرافقها هاجس عودة الفيروس أو الإصابة به” مستدركة “وبكل الأحوال لن يتقاعس أحد عن التقدم في تنفيذ طموحاته”.

وعلى عكس ما قال العامري بتشديد التنقل عبر الدول، تتوقع مها “تسهيلات من دول أوربية والولايات المتحدة للمسافرين إليها، وذلك في محاولة تخطّي الخسائر التي لحقت بقطاع السياحة، بالإضافة لاستقطاب كفاءات بعد ندهور الاقتصاد”.

أكثر إنسانيّة

نشرت صحيفة “الغارديان” البريطانية نهاية آذار مقالاً بعنوان “لا يمكننا العودة للحياة المعتادة.. كيف سيغيّر فيروس كورونا العالم”، ركزت فيه على قراءة الأوضاع السياسية والاقتصاية قبل الجائحة، وأنها في الأساس لم تكن أفضل من اليوم، إذ شكّل الفيروس أزمة من أزمات لا الأزمة بعينها.

على فرض أن الدول كانت توهم الناس بقدرة الاقتصاد القوي والرعاية الصحية على حل جميع الأزمات، إلا أنها فعلياً لم تتخذ الاحتياطات الكافية للأوبئة التي حذر منها خبراء طيلة السنوات الماضية.

واستشهد المقال بتعليق كاتب العمود في موقع “بلومبيرغ” بانكاج ميشرا “كارثة الدولة في افتراضها أنها تتحمّل مسؤولية حماية مواطنيها”

وعلى هذا الأساس فإن “المهمة اليوم ليست مكافحة الفيروس من أجل العودة إلى العمل كالمعتاد ، لأن العمل الاعتيادي كان بالفعل كارثة. وبدلاً منه، فإن الهدف محاربة الفيروس، وفي نفس الوقت تحويل ما اعتدنا عمله إلى شيء أكثر إنسانية وأماناً”، حسبما أورد المقال.

ومن جانب آخر، فإن التوقعات بانهيار مالي كما حصل عام 2008، أمر محتمل لدى العديد من الخبراء، الذين ينظرون لأزمة كورونا اليوم بعين 2008.

أما المتفائلون، فيجدون أملاً في “أننا قد نبدأ في رؤية العالم بشكل مختلف. ربما يمكننا أن ننظر إلى مشاكلنا على أنها مشتركة، والمجتمع أكثر من مجرد مجموعة من الأفراد يتنافسون ضد بعضهم البعض من أجل الثروة والمكانة. باختصار يمكننا فهم أنه لا ينبغي لمنطق السوق بالهيمنة على العديد من مجالات الوجود البشري مثلما نسمح به حالياً”.

وفي موازاة الجانب الاقتصادي، يبرز الجانب البيئي، حيث لفت كوفيد-19 أنظار العالم إلى التغيّر السريع الذي أحدثه توقف قطاعات صناعية وحركة السير في عدد من البلدان على البيئة وتقليل تلوّث الهواء.

يرد في المقال “وفي الوقت نفسه، يشارك الناس في جميع أنحاء العالم نتائجهم القصصية الخاصة عبر الإنترنت، حول النسيم العليل، وممرات الدراجات الممتدة وعودة العصافير إلى الأحياء، وكأنّهم يلمّعون المستقبل في خضم الكارثة، إذ يعرفون مدى حاجتهم إليه”.

في ذات السياق، حذّر المقال من أن إجراءات المراقبة المشدّدة التي اتخذتها دول عديدة على مواطنيها (أنظمة التتبّع للحركة والمراسلات والاتصالات) للتأكد من التزامهم بالتعليمات وأوامر حظر التجوّل، تجنباً لانتشار كوفيد-19، قد تستمر إلى ما بعد النجاة من الجائحة.

من هذه الدول: الصين وإيطاليا وإسرائيل وبلجيكا وكوريا الجنوبية وألمانيا والنمسا.

أقل حريّة وانفتاحاً

مثلما علم الأوبئة تراكميّ، حيث يعتمد العلماء لتحضير الأمصال والأدوية على تجاربهم ومَن قبلهم في مواجهة أوبئة أخرى، كذلك هي الأزمات بشكل عام.

وفي تاريخ كل شعب أزمات عايشها معاصرو جائحة كورونا أو قرأوا عنها، ولكن واحدة غالباً تُعتبَر فارقة، سجلت بعدها بلادهم ما لم تعهده من قبل، على نحو إيجابي أو سلبي، مدمّر، أو هدّام.

وقياساً على ذلك، تعددت تنبؤات خبراء في مجالات الاقتصاد والعلوم والبيئة والتكنولوجيا والسياسة للمرحلة اللاحقة لكورونا، نلخصها في النقاط الآتية:

1- الخوف من الآخر مهما كان قريباً

نعلم الآن أن لمس الأشياء والتواجد مع أشخاص آخرين وتنفس الهواء في مكان مغلق يمكن أن يكون محفوفاً بالمخاطر، وستكون سرعة تراجع هذه الفكرة متفاوتة من شخص لآخر. ربما سنتراجع عن مصافحة اليدين أو لمس وجوهنا ولا نستطيع التوقف عن غسل أيدينا.

وقد يصبح في غياب الآخرين عنّا راحتنا لا حضورهم، ونكتفي بالاتصالات عن بعد. وقد يصبح السؤال فيما بعد “لماذا التواصل شخصياً؟” بدل سؤال “لماذا التواصل عبر الإنترنت؟”، ما سيعرّض الناس محدودي النطاق في الحيّز الاجتماعي إلى الحرمان.

2- وطنيّة جديدة وأبطال جدد

في عديد الدول، يُمنح الجنود والمحاربون القدامى ميزات عديدة (خصومات من قبل الشركات، تأمين صحي أقل كُلفة، يوم عطلة باسمهم)، بسبب دورهم في حماية المواطنين والدفاع عنهم، وكنوع من العرفان أيضاً، سيُمنح الأطباء والعاملون في الكوادر الطبية ليل نهار في مواجهة فيروس كورنا، ميزات مشابهة.

وربما تصبح الوطنية “رعاية صحة وحياة المجتمع”، بدلاً من العساكر والجيوش في أراضي الآخرين.

3- تراجع الاستقطاب

وجود عدوّ مشترك (فيروس كورونا) قد ينتج مجتمعاً أكثر وحدوية واندماجاً دون الخضوع لاستقطابات بعينها، فالعدو واحد لا يميز أحداً عن آخر، ما يؤدي لتنامي الإيثار والتعاطف والسخاء.

4- العودة إلى الإيمان بالخبراء الجادّين

في مجتمعات متقدمة يسودها السلام والرخاء الاقتصادي، كان صوت الخبير أو المهنّي في المجال الطبي غير مسموع وسط أصوات مسموعة لنجوم تلفزيون الواقع مثلاً، تأثيرهم على الناس أكبر من تأثير ذوي الخبرة، ما جعل المجتمعات لا مبالية بتحذيرات هؤلاء الخبراء، الذين يُسمعون اليوم وسط الكارثة لأنهم الأقدر على رؤية الواقع ومعاينته بجديّة ودقة.

5- أقل فرديّة

تمثل جائحة كورونا نهاية علاقتنا الرومانسية مع مجتمع السوق والفردية المفرطة، فسلوك البحث عن الذات يجعل من هذه الأزمة أكثر خطورة.

وقد تعيد دول سياستها، متجهة إلى استثمارات جديدة كبيرة في المنافع العامة (الصحّة مثلاً)، وأساس الرؤية هو المصير المشترك والمترابط.

6- التطبيب إلكترونياً

إذ يمكن أن يستمر ما يحدث الآن من تقديم رعاية صحية عن بعد، عبر محادثات الفيديو، خارج زحمة المواصلات العامة من أجل الوصول لموعد طبيب، أو في غرف الانتظار، ومنح الأولوية عيادياً للمرضى في حالات حرجة.

7- زيادة الاهتمام بالرعاية الأسرية

سلّط فيروس كورونا الضوء على الاحتياجات غير الملبّاة للعدد المتزايد من السكان المسنين في دول مختلفة، وعشرات من أفراد الأسر ومقدمي الرعاية المحترفين الذين يعتمدون عليهم.

ففقدان ملايين الأشخاص وظائفهم أو تأحير رواتبهم بسبب حظر التجوّل، لم ينعكس عليهم وحدهم بل على أفراد عوائلهم التي يعيلونها، من أطفال وذوي احتياجات خاصة ومسنين، دفع خبراء للمطالبة بنظام رعاية أسرية شامل لهذه الفئات ومنح إجازات عائلية للموظفين مدفوعة الأجر وغيرها من إجراءات تضمن الرعاية الوافية للأسر.

٨- عالم أقل حريّة وازدهاراً وانفتاحاً

ستصبح الدولة أقوى وتتنامى القومية، وتتبنّى الحكومات بجميع أنواعها إجراءات طارئة لإدارة الأزمة، وسيكره الكثيرون التخلي عن هذه السلطات الجديدة بعد انتهائها.

9- عولمة صينيّة

الانتقال من العولمة المتمحورة حول الولايات المتحدة الأميركية إلى العولمة باتجاه الصّين، وهو ما بدأ سابقاً لكنّ الجائحة جعلت المسار أقصر وأسرع.

10- خروج الديمقراطية من قوقعتها

ستعطي الأزمة الوقود لجميع المعسكرات المختلفة في النقاش الغربي حول الإستراتيجية الكبرى. سوف يرى القوميون والمناهضون للعولمة والصقور الصينيون وحتى الأمميون الليبراليون، أدلة جديدة على إلحاح وجهات نظرهم. بالنظر إلى الضرر الاقتصادي والانهيار الاجتماعي الذي يتكشف.

من الصعب رؤية أي شيء آخر غير تعزيز الحركة نحو القومية، وتنافس القوى العظمى، والفصل الإستراتيجي وماشابه.

11- تغيّر جوهري في النظام الرأسمالي

الصدمة الأساسية للنظام المالي والاقتصادي في العالم هي الاعتراف بأن سلاسل التوريد وشبكات التوزيع العالمية معرضة بشدة للخلل. بالتالي، لن يكون للجائحة آثار اقتصادية طويلة الأمد فحسب، بل ستؤدي إلى تغيير جوهري.

وبالنظر إلى حجم خسائر السوق المالية التي عانى منها العالم منذ فبراير الماضي، فمن المرجح أن تخرج الشركات من هذا الوباء بلا ريب حول النموذج الذي تم إنتاجه في الوقت المناسب والإنتاج المنتشر عالميًا.

يمكن أن تكون النتيجة مرحلة جديدة دراماتيكية في الرأسمالية العالمية ، حيث يتم تقريب سلاسل التوريد من المنزل في المستقبل، صحيح أنه يقلل أرباح الشركات على المدى القريب لكنه يجعل النظام أكثر مرونة.

12- خسارة الولايات المتحدّة دورها القيادي عالمياً

لن يُنظر بعد اليوم للولايات المتحدة كقائدة دولية، بسبب المصلحة الذاتية الضيّقة لحكومتها وعد كفاءتها في تسيير الأمور خلال الوباء.

شاهد أيضاً

ظاهرة تمزيق الطلاب لدفاترهم وكتبهم عند انتهاء العام الدراسي

بقلم الدكتور : محمود عبد الفتاح المقيد. حقا نحن أمام ظاهرة غريبة .. بدأت تنتشر …

%d مدونون معجبون بهذه: